عماد الدين خليل
105
دراسة في السيرة
الفصل الرابع تحليل للهجرة [ 1 ] وضع رسولنا « 1 » صلى اللّه عليه وسلم خطواته الأولى في الدرب صوب المدينة وقلبه يخفق بهذا الدعاء : ( وقل ربي أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا ) وكان يعلم جيدا أن حركة الإنسان في التاريخ لا تستقيم وتصل إلى هدفها إلا بأن يرفع الإنسان بصره وفؤاده وعقله وسمعه وحسّه إلى السماء يتلقى عنها الصدق والنصر . . صدق الحركة وانتصار قيمها . . لكنه لم ينس لحظة أن هذا التوجه إلى السماء يجب أن يقترن بثبات الخطى على الأرض ، وبتحمل مسؤولية البصر والسمع والفؤاد بأمانة كاملة . . وبصياغة الحرية الإنسانية بما ينسجم ، في المدى القريب والبعيد ، مع قدر اللّه ونواميسه وسننه . وبدون هذا التناغم بين مشيئة اللّه وحرية الإنسان . . بين نور السماء وشفافيتها وبين كثافة الأرض ووعورة الطريق . . بدون هذا الحوار الدائم الفعال بين الإنسان وخالق الإنسان . . بين انطلاق الروح وشد الجسد . . بدون هذا التواصل الدائم . . بين الحضور والغياب . . بين عالم المشاهدة المباشرة والغيب البعيد . . بدون هذا وذاك لن تكون هناك حركة جادة ، ولا مصير عظيم . إن الرسول صلى اللّه عليه وسلم ظل قلبه يخفق بدعاء اللّه . . وهو يرسم الخطط ، ويضع الضمانات ، ويهيىء المواد والإمكانات والدفوع الكفيلة بإيصاله إلى هدفه . . لم يجئ هذا الدعاء قبل التخطيط فحسب ، ولا جاء بعده فحسب ، فليس في علاقة
--> ( 1 ) انظر : خطوات في الهجرة والحركة ، للمؤلف ، بيروت ، الدار العلمية - 1971 .